ابو البركات
242
الكتاب المعتبر في الحكمة
أو قليلا أو كلاهما وقد تنبت في بلاد أشجار تغرس فيها وتبقى وتثمر ثمرا صالحا حيث توافقها التربة والماء دائما والهواء في بعض السنين دون بعض كالنخل والأترج والليمو فإنه يتولد وينشأ ويبقى في البلاد الحارة والنخل خاصة في السبخة منها ثم ينتقل إلى أرضين وبقاع مثلها في موافقة التربة والماء ويوافقها الهواء في وقت لا دائما فما دام الهواء في كل سنة على موافقته ومشابهته لهواء مولدها تنشأ وتثمر فإذا اتفق في بعض السنين ان يشتد البرد في تلك البقاع وينزل الثلج تفسد تلك الأشجار وتستقلع منها ولا تعود إلا بغرس جديد . وفي موضع التولد لا يكون تلك حالها فإنها لو فسدت لما عادت فان الموافق للتوالد ليس كالموافق للتولد بل المولد انسب وأدوم موافقة لان الشجرة المغروسة قد تنقل كبيرة فتثمر عاجلا وتتمكن عروقها والمتولدة تبتدئ صغيرة جدا وتكمل في سنين عدة فإذا اختلف عليها الهواء أفسدها قبل ان تشتد وتقوى على ممانعته كما أن من الحيوانات ما يتولد في ارض لا يتولد فيها كما يقول قوم ان أول الحيوان كالنبات كله متولد عند خط الاستواء حين كان على موافقة من الجبال والمياه ثم توالد في الأراضي التي انتقل إليها والقياس يدل على أن الهواء لو دامت موافقته للشجر لكان يكون كالحيوان يولد الثمر في كل وقت ويخلف عوضه إذا انتثر وانما يختلف عليه فيختلف حاله فان التين يثمر ويبلغ وينتثر ويختلف ما لم يدركه البرد والتفاح والحصرم يعود في الخريف إذا أشبه هواؤه هواء الربيع ثم يدركه البرد فلا يكمل والناقلون يقولون إن خط الاستواء لما كان فيه عمارة كانت شجره تثمر في كل شهر أو ما يقاربه ثمرا جديدا والحيوانات المصحرة تتغير أوقات سفادها وعلوقها وأولادها بحسب الهواء وموافقته والانسان لاكتنانه وتوقيه عادية الحر والبرد تستوى أوقاته في ذلك فأكثر المنقول من النبات عن مولده لا يبقى عليه طباعه وخاصية نوعه في ذلك بل تبطل وتضعف كما ذكر جالينوس من حال الشجرة التي رئيت قاتلة في الأرض فوجدت مأكولة في أخرى وترى الحيوان الذي هو أولى من النبات بالانتقال